الكلمة الافتتاحية لـ “احتفالية فلسطين للأدب” ٢٠١٧

في هذه السنة تدخل احتفالية فلسطين للأدب، بالفِست، سنتها العاشرة.

نحن في عام ٢٠١٧، لكننا لا نزال نعيش في القرن العشرين.

لن يتقدم التّاريخ، ولن تتفكك الامبراطوريّات، حتى تنال فلسطين حريّتها.

لا يمكن لأحدٍ منّا أن يكون حرًا حتى تكون فلسطين حرة. هذا إيماننا منذ البداية.

عشر سنواتٍ مرّت منذ أن أقامت الاحتفاليّة أولّ فعاليّةٍ لها في “المسرح الوطني الفلسطيني” في القدس المحتلة. عشرة مهرجاناتٍ، عشرة تدخلاتٍ صغيرةٍ في عقدٍ مكثف الألم؛ عقد شَهِد الاعتداءات المتكررة على غزة، وحصارٍ عليها كحصارات القرون الوسطى، عقدٍ شهد الانتفاضات والثورات العربية – وثوراتها المضادّة، شهد ترسيخ الحرب الأبدية وتمزيق أحشاء سورية، عقد صعد فيه نجم داعش وبوتين وترمب ومن يتبعهم.

عندما أطلقنا الاحتفاليّة، كان جوهرها إيمان بسيط: أنّ تحرير فلسطين سيكون حتميًّا فور فهمِ العالم حقيقة ما يجري هنا.

كنا نرى أن توصيل المعلومات الصحيحة إلى عقول وقلوب العالم هو الطريق إلى الحرية.

عندما أطلقنا الاحتفاليّة لم تكن لها صفحةً على الفيسبوك.

الآن توَرَّم عصر المعلومات حولنا؛ جميع المعارف البشريّة، جميع الحقائق ونقيضها، جميع النّاس واللغات والتقارير الإخباريّة وسرديات التاريخ، كلها على مبعدة ضغطة على مفتاح الإنترنت.

لقد حصلنا على المعلومات – كل المعلومات – ولم نحصل على الحرية.

أيّ جدوى للفنّ والكلمات والشّهود وسط ضجة هذا الطوفان الرقميّ؟ كيف يمكن للمعنى أن يُبعث من جديد؟

وكيف نعيد تعريف “الشّاهد” حين تسطع الجرائم في وضح النّهار وتباهي بنفسها؟

في عام ٢٠٠٨ أعلنت الاحتفاليّة أنّها ستعمل مع مختلف شركائها الفلسطينيين على كسر الحصار الثقافيّ المفروض على فلسطين المحتلة.

أين ذلك الحصار الآن؟ وما هو؟ لقد امتدت مقاومة الحصار الثقافي ففاضت عبر الحدود وتحولت معركة مفتوحة تدور في بلاد شتّى؛ معركة فلسطين تدور على جبهات لا حدّ لها، من النشاط السياسي في الجامعات إلى المقاطعة الاقتصادية وفضح الشركات المتعاونة مع الاحتلال. وكلّما رُبحت جولةٍ في الحرب الثّقافيّة، كلّما ازداد الردّ شراسةً: يزداد التنكيل بغزّة والعمل على خنق القدس، يزداد عمق التناقضات في الضفّة الغربيّة. بينما ينزلق الحصار الى الخارج، خارج فلسطين، في صورة أكثر وضوحا وضغينة، فيظهر في خطاب أمثال فاراج ولوبين واوربان المحمّل بحقد يتزايد.

لم يعد الأمر يقتصر على فلسطين، الحصار يُحكَم حول فكرة: فكرة العدالة – وفي مركزها والقلب منها فلسطين.

فلا عدالة ممكنة في العالم دون العدالة في فلسطين.

لكن، وبنفس القدر من الأهميّة، علينا أن نعي دائمًا: نحن لا يمكن هزيمتنا ما دامت فلسطين لم تهزم.

فما هو، إذن، دور وموقع الفنان والفعاليات والشاهد في معارك اليوم؟
إننا نتوجه إليكم، جمهور احتفالية فلسطين للأدب وأصدقاؤها وكتّابها، بهذا السؤال.

كيف سيكون شكل العالم في المستقبل؟ وكيف يمكننا كتابة ما لم يكتب بعد؟

فلسطين هي معمل المستقبل: حواجز التفتيش، والحصارات، وعمليات التأثير النفسي، والتخطيط العمراني، وفخاخ القروض الائتمانية، ولوغارتمات السيطرة – كلّها سلعٌ يتم بيعها للقمع القادم في المستقبل.

ما الذي نستطيع تفكيكه من هذا المستقبل المرتقب؟

وأيّ مستقبلٍ جديدٍ ما زلنا قادرين على تصوره؟

إنّ ما يقع تحت الحصار اليوم هو قدرتنا على التخيّل.

نسألكم أن تنضمّوا إلينا وأن تشاركونا الخيال، طيلة هذا الأسبوع، لنتخيل السنوات القادمة.

بعد ليلتنا الختاميّة هنا في عام ٢٠١٧، سنقف وقفةً تأمّل لمدة عامٍ، وأملنا أن نعود بعده، بالاحتفالية  المناسبة، ندخل بها، معكم، معركة الحرية القادمة.